أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
93
نثر الدر في المحاضرات
انصرف شريح يوما من مجلس القضاء ، فلقيه رجل ، فقال : أما حان لك يا شيخ أن تخاف اللّه وتستحي ؟ قال : ويلك ! من أيّ شيء ؟ قال : كبرت سنّك ، وفسد ذهنك ، وكثر نسيانك ، وادّهن كاتبك وارتشى ابنك ، فصارت الأمور تجوز عليك ، فقال : لا واللّه لا يقولها لي أحد بعدك ، واعتزل عن القضاء ، ولزم منزله . قال الشعبي : أصاب متأمّل أو كاد ، وأخطأ مستعجل أو كاد . كان شريح في منزل القضاء ، فنظر إلى رجل من أعوانه قائم ، فضحك فقال : أتضحك ؟ ويلك ، وأنا أتقلّب بين الجنّة والنار . أقام رجل شهودا عند شريح فاستحلفه ، فتلكّأ ، فقال له : ساء ما تثني على شهودك . وقضى شريح بالكوفة ستين سنة ، ولّاه عمر بن الخطاب ، وبقي إلى أيام الحجاج . كان رجل يقال له خنيس يجلس إلى الشعبي ، فتحدّث الشّعبي يوما ، فقال له خنيس : اتّق اللّه ولا تكذب . فقال له الشعبيّ : ويحك يا خنيس ما أحوجك إلى محدرج « 1 » شديد الفتل ، ليّن المهزّة ، عظيم الثمرة ، وقد أخذ من عجب ذنب إلى مغرز عنق ، فيوضع على مثل ذلك منك ، فتكثر له رقصاتك من غير جذل ؛ قال : وما هو يا أبا عمرو ؟ قال : هو واللّه أمر لنا فيه أرب ولك فيه أدب . كان لشريح حائط مائل ، فقال له جار له حائطك هذا مائل ، قال : لا تفارقني أو ينقض . قال : فنقضه من ساعته . فقال الرجل : لا تعجل يا أبا أميّة . فذاك إليك . قال : بعد أن أشهدت عليّ ؟ قال الشعبي : وجّهني عبد الملك بن مروان إلى ملك الرّوم ، فلمّا قدمت عليه ودفعت إليه كتاب عبد الملك جعل يسائلني عن أشياء ، فأخبره بها ، فأقمت
--> ( 1 ) المحدرج : السوط .